top of page
Search

القمة الخالية

Feb 4, 2022
3 min read

Updated: Feb 5, 2022


كتبت ذات مرة تغريدة في تويتر" كم جميل أن ترى مسيرتك أمامك كلوحة لجبال الألب، مليئة بالقمم والقيعان، فتجد في نفسك اعتزاز بكليهما، فالقمم وصلت إليها بجهدك ومثابرتك، والقيعان خرجت منها بعزمك وإرادتك لقمم أخرى".


لم أكن قد التقيت جبال الألب حين كتبت تلك التغريدة، ولكن دعوني أؤكد لكم أن قممها وقيعانها ليست بهذه السهولة التي تصورتها، لطالما تخيلتها كفتاة يافعة فاتنة وخجولة، ولكن اتضح لي انها فتاة يافعة فاتنة متعجرفة ومتسلطة أيضا. يا لجمالها وغرورها في وضح النهار، ويا لغموضها وغدرها إذا جن الليل. يا لغيرتها حين تطلق زفراتها غيما، وعندما تقرر البكاء فان دمعها ليس كدموعنا قطرات مالحة تحرق الفؤاد وتجرح الخد، بل عذبة نقية باردة كالوفاء بالعهد.


في رحلتي للقاء تلك الفاتنة كنت أنا القائد، أنا من رسم خط سير الرحلة وأنا من حدد الوجهات، افتح خرائط قوقل، اكتب اسم المكان المنشود وأبدأ بإطلاق التوجيهات، انعطف يمينا بعد ذلك الدوار، انعطف يسارا بعد تلك الإشارة، اعبر ذلك النفق، "توقف هنا أريد أن التقط صورة"، وكان شريك رحلتي وحياتي يتبع التعليمات بكل ثقة دون ان يسترق النظر حتى من تلك الخرائط. وفي صباح أحد أيام تلك الرحلة، كتبت اسم أحد الشلالات التي خططنا لزيارتها في مساعدي الذي لا يعصيني أبدا "قوقل"، ظهر لي باللون الأزرق طريق طويل وملتوي، ترددت للحظة واستشرت زوجي وعلق أنه بالطبع سيكون الطريق إليه بهكذا الشكل فهو شلال وعلى ارتفاع. شعرت بالقلق ناهيك عن طبيعة المكان الجبيلة ووعورته ولكن توكلت على الله وآثرت الأستمتاع بالمناظر الخلابة من خضرة الأرض وزرقة البحيرات.

بعد نصف ساعة بدا الطريق يأخذ في الارتفاع شيئا فشيئا، الطريق بطبيعته مخيف، طريق واحد لسيارتين وحاجز حديدي قصير، بدأنا بالارتفاع اكثر وبدأت نبضاتي بالازدياد،

ملاحظة: محدثتكم تخشى المرتفعات حتى الموت.


مع ازدياد الارتفاع ازداد ضيق الطريق وازداد ضيق أنفاسي معه، الطريق أصبح كالممر ،لا يسمح الا بمرور سيارة واحد وعلى السيارة الأخرى اما تتنحى جانبا او ترجع الى الوراء،

ملاحظة: لا يوجد حواجز على هذا الطريق مما يعني السقوط المحتوم.


زاد توتري مع نبضات قلبي ، طلبت من زوجي ان يرجع أدراجه فأجابني بانه لم نقطع كل تلك المسافة حتى نرجع ، غير ان المكان يبدو قريب ،حاولت ان اتمالك اعصابي، ولكن مخيلتي الخصبة لم تكن في صفي حينها، بدأت اتخيل سقوطنا وتفاصيل موتنا ،شعرت حينها بالدوار وصعوبة في التنفس،

ارتفع صوتي" ارجوك استدر" ،

وهو يردد "لا شيء يدعو للقلق سنصل الان"

شعرت كأن السيارة صندوق صغير مظلم قد التهمته مياه المحيط، امسك بيدي أطفال وأنا ألهج بالدعاء " اللهم احفظنا... اللهم استودعتك أيانا" .

انظر مجددا للخارطة، وكأنني اراها تقهقه وهي تقول: "ما زال أمامك الكثير"،

اشعر بالغثيان أصرخ مجددا "ارجوك أن تستدير قف في أي مكان" ،

وهو يردد "سوف نصل قريبا"،

افتح السناب شات لأتأكد على أي ارتفاع نقف وحين علمت أننها على ارتفاع 1500 متر حينها بدأت اصرخ "لا أريد أن أرى الشلال أستدر الان"،

امسك بأيدي أطفال لعلي أحميهم من السقوط، عدوى التوتر انتقلت لزوجي وبالفعل بدأ يبحث عن مخرج ، ولكن لا جدوى فالجبل عن يميننا والهاوية عن شمالنا ،انظر للبحيرة من تحتنا، لا أرها أنا أرى فقط بقعة صغيرة جدا وكأنها بقعة حبر أزرق على قميص أبيض ، استمر زوجي في قيادته واستمرت دعواتي " اللهم اني استودعك نفسي وابنائي وزوجي" حتى وصلنا لطريق مسدود وبجانب هذا الطريق المسدود انبساط بسيط يمكن للسيارة فيه ان تستدير، استدرنا وبدأنا بالانحدار بعد ان علمنا ان هذا الطريق المسدود هي قمة الجبل ونحن الان على ارتفاع 2000 متر فوق سطح البحر ولا وجود للشلال.


عند نزولي من ذلك الجبل تعلمت درسأ قويا وقاسيا بعد أن وصلت للجرف وكنت على مشارف الموت، أنه ليس المهم أن تصل لوجهتك المنشودة، المهم ان تسمع الى صوت قلبك دائما وهو سيخبرك اذا كان طريقك صحيح أم لا، والأهم أن تنتبه لكل الإشارات التي تقابلك في طريقك، بعضها يخبرك بأنك على الطريق الصحيح، والبعض منها يحذرك بأن هذا المسلك لا يناسبك أو ليس هو وجهتك المنشودة أو أنك أنحرفت عن المسار الذي سيأخذك إلى هدفك .


تعلمت كيف و متى احدث التغيير في أي خطة من خططي، و أنه في اثناء رحلتي لهدف ما، لا مانع أن اعود أدراجي اذا شعرت ان هذا الهدف لا يناسبني او تغيرت قيمي وقناعاتي حتى ولو كان ما يفصلني عنه خطوة واحدة ، بل سوف اجد أقرب مخرج وأعود لنقطة الصفر وأبدأ من جديد فلربما القمة التي سأقصدها هي قمة خالية.



 
 
 

Recent Posts

See All
كش ملك

صدمة! حين تكتشف قواعد اللعبة، والصدمة الأكبر حين تجد نفسك خارجها، وأنك طوال الوقت كنت تلعب عكس قوانينها ، وكأنك تجبر عقارب الساعة أن تعود للوراء وتعكس دورانها، ومع كل ثانية تتقدم بها تدفعك غير مبالية.

 
 
 
تغيرت؟!

تغيرت؟! بالطبع تغيرت، ومن منا لا يتغير؟ من منا بقي كما هو من لحظة ولادته أو حتى لحظة إدراكه حتى الآن، دون أن يتغير؟!! التغيير سنة كونية...

 
 
 

Comments


​

للإشتراك

" كل الطرق تؤدي إلى المنصة"

- مريم القبيلي -

0559744033

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram

©2025 by Coach maryam

bottom of page