قصَّتك على مقاسك!
Updated: Sep 16, 2023

اتفق الجميع أن لكل شخص قصته الفريدة، ربما نتقاطع في بعض التفاصيل، مثل بعض تفاصيل حياتنا اليومية الروتينية والتي يتشابه فيها أغلبية سكان المنطقة الواحدة، أو أفراد المجتمع الواحد، ولكن هذا لا يقلص من نسبة الفرادة والتميز في قصتك، قصتك هي الرداء الوحيد الذي يتلاءم مع كل ما قطعته من أشواط طويلة سعيدة أو مريرة في مسيرتك وأن بدت في ظاهرها متشابهة. فقد وِلدتَ بصفات وسمات مختلفة، لأبوين مختلفين، ترعرعت في بيئة مختلفة، تلقيت تعليما مختلفا، وانتقيت خبراتك أيضا باختلاف، وتراكم ماضيك سلفا خاضعا لنمط محدد يتناسب معك أنت فقط، فكيف لقصة أحدهم أو تجربته الخاصة على أي صعيد من أصعدة الحياة أن تبدو لك متشابهة لهذا الحد وقصتك، على رغم أن كل الأساسات التي ارتكزت عليها قصتك مختلفة؟!
في الحقيقية أن الخطوط العريضة، وأيضا مسرح الأحداث للحكايات قد يبدو متشابهاَ إلى حد كبير، تشعر معه أن هناك أشخاص يشاركونك ألمك وإحساسك الذي يجتاحك بعد تلك العاصفة التي عصفت بك، أو شعورك بدهشة النجاح بعد الوصول إليه، ولكن يكمن الاختلاف في وقعها عليك وتأثيرها على حياتك المستقبلية، وعلى طريقة تعاملك مع نفس الأحداث بناء على تفاعلها مع كل المعطيات المذكورة آنفا أو نستطيع الإشارة لها باختصار أنها "قصتك".
المقصود بقصتك هي جذورك الأولية التي شكلتك شخصيتك اليوم ، والتي منها تكون تعريفك لنفسك، ولا أقصد هنا تعريفك المختصر الذي تستطيع سرده في سطر ونصف، ولكن أقصد التعريف العميق الذي يصل لأبعد نقطة في ذكرياتك، اختياراتك التي صنعت أثرك الماضي والمنحى المستقبلي لقراراتك، والتي بنيت على أساسين يعتبران النقيض لبعضهما البعض، الأول هو معرفتك العميقة بنفسك، والآخر هو عدم معرفتك التامة بها، والذي يقتضي التجربة مرارا وتكرارا حتى تتأكد مما يناسبك ، وبعد عددا من التجارب التي تنتهي بنتيجة واضحة وجلية، يسطر على أنه قيد جديد في ملف معرفتك بنفسك.
نحن نعيش الآن في فضاء مفتوح تعرض فيه المعلومات والتجارب من كل مكان وفي كل زمان، فيطرق مسامعنا سيل من النصائح والخبرات والتجارب في مختلف المجالات ومن أشخاص عدة، البعض منهم يستند إلى علمه والبعض الآخر على تجربته الخاصة، وكلا الفريقين عمد إلى نقل معلوماتهم وتجاربهم لأغراض عدة ولعل الأبرز منها حب مشاركة المعلومة ومنفعة الآخرين.
في الواقع يمكن لهذا السيل أن يكون مدمرا بكثرة ما يحمل معه من معلومات واقتراحات يستحيل على العقل البشري أن يبقي عليها جميعا، والكثير منا يستقبل هذا السيل ويحاول أن يتلقى ويطبق كل ما يجرفه معه فعليا في حياته دون الرجوع لمقاسته السابقة الخاصة بقصته، والتي من المفترض أن تتغير رويدا رويدا، فتغدو النتائج غير مرضية لتوقعاته.
بات الفرد منا اليوم أمام مسؤولية كبيرة تجاه نفسه، وهو أن يحمي نفسه من هذا السيل الجارف باستخلاص الحكمة من قلب كل قصة أو معلومة، ويتأكد من مدى مواءمتها لمرحلته الحالية ومدى احتياجه لها، فليس كل المعلومات يجب أن نتعلمها، وليست كل التجارب فعَّالة وستمدنا بذات الأثر الذي لحظناه على مصدر التجربة.
القياس أداة مهمة لمراجعة كل ما يعرض علينا دون الخضوع لتغيير قصتنا بشكل صادم وبدون تهيئة، مما يجرنا إلى فوهة الإحباط لأننا لا نستطيع التطبيق أو المجاراة كما كنا نتوقع.
فهمك لقصتك يبقيك في ميدان الأصالة، وتعديل كل المفاهيم والمعلومات التي تتراكم في مخزونك المعلوماتي حتى تتلاءم و "مقاسك "الخاص من القوة، مستوى الإدراك، والوسع الذي أنت عليه اليوم سيصب في مصلحتك مباشرة، عدا ذلك سوف تبدو قصتك بعد كل هذه الإضافات فضفاضة، وربما واسعة جدا لدرجة أنك تضيع بداخلها ولن تجد نفسك إلا وكأنك استعرت قصة أخرى من أحدهم، وارتديتها على عجل دون أن تتأكد أن كانت تلاءمك أو لا!

Comments