top of page
Search

قَدَّر ولَطَفْ

Updated: Sep 14, 2023



ما نسميها صدف هي في حقيقتها تدابير الله الخفية التي لا نعلهم كنهها وليس لنا بها حول ولا قوة، ولكن يدبرها سبحانه بعلمه ومعرفته ولطفه بنا، فتتجلى لنا على هيئة أقدار تحمل في جوفها إبهار، وحسن وجمال، وأشياء بعيدة جدا عن طريقة ربطنا للأمور البسيطة والواقعية والتي تعتمد على ما حولنا وما يحيط بنا فقط، فلا يخطر على عقولنا أن حدثا كذلك ممكن أن يحدث، ثم نتفاجأ بشيء يفوق توقعاتنا ،أو حتى لم نضع له يوما توقع على الأطلاق، فعندما تتجلى لنا هذه الأقدار ننعتها بـ "محاسن الصدف".


بدأت مؤخرا أرصد هذه الأحداث التي تقع في حياتي وأتتبعها، محاولة إيجاد أول القصة لأربطها بآخرها، وفي كل مرة أجد أنه لا علاقة لأول القصة بآخرها سوى أنني قد عقدت نية ما، أو طلبت الله عز وجل طلبا، أو سألته سبحانه سؤالا قد استعصت علي إجابته فأسأله السهولة والمعونة في إيجاد الإجابات، دون أن أفكر بالطريقة التي ستتجلى لي بها الإجابة، ثم أتفاجأ بأنه سبحانه قدر لي أقدارا أبعد من تصوراتي وخيالاتي ، ولو قضيت ليال طوال أفكر كيف سيستجاب لي فلن أستطيع أن أتخيل الكم والكيف الذي رزقني الله به وأنعم به علي وجعلني أعيش في دهشة وأقول سبحان الله " قدر ولطف".


في الغالب نستخدم لفظ "قدر ولطف" في الفواجع، أو عندما نخرج من باب مصيبة أو ننجو من قبضة الموت، ولكني أرى من باب أولى أن نعبر عن تلك الصدف التي أدهشتنا تفاصيل حضورها بأنها أقدار محفوفة برعاية الله وحفظه لنا، ومملؤة بالخير وأن كان قد خفي أو تأجل، كل القصص التي مرت بي زرعت فيني اليقين أن الله يرزقنا بالأقدار المحملة في باطنها بالخيرات وأن بدت في ظاهرها عكس ذلك. وعندما أعود بالذاكرة أستشعر لطف الله بي وبقلة علمي وجهلي ،ويزداد يقيني بأن اختيارات الله لي أفضل من تلك التي اختارها لنفسي وألح في دعائي للحصول عليها.


من باب الأقدار الجميلة المرتبة، كنت اتحدث مع أحد الصديقات المقربات، وكانت تتحدث بكل حب وانبهار عن أحدى زميلاتها في العمل، وتصف قدر الخلق الذي تحمله والذكاء الذي تتمتع به، لدرجة أنها أسكنت فيني الدهشة والحماسة للقاء هذه الزميلة ،خصوصا أنها تتشارك معي نفس التخصص. وبالفعل تمت المراسلات بيني وبينها، كانت تمتع بقدر عالي من اللباقة والأحترام ، رقيقة جدا قي حديثها وقبولها لدعوتي، ألتقينا ولم نكن نعلم أن هذا اللقاء سيكون لنا كالسحاب ينهمر علينا بالخير.


في أول لقاء لنا تحدثنا عن تخصصنا بشكل مطول وبحثنا في آخر المستجدات، ثم بدأنا نتحدث عن رغبتنا في الحصول على وظائف جديدة من باب التطور الوظيفي والذي كنا نستحقه بجدارة، ولكن لم نكن نؤمن بذلك. في لقائنا الثاني تقاطعت الكثير من أفكارنا حتى أن هناك أشياء كثيرة مشتركة، كمخاوفنا مثلا، وفي لحظة وبطريقة غير مخطط لها على الإطلاق قلت لها "سوف أترك مكاني في عملي الحالي وسوف تحصلين أنت على الوظيفة". وكأن ملكا نادى في السماوات بأن وجبت دعواك.


خلال أسبوعين استقلت من مكان عملي وقدمتها كمرشحة مميزة وبالفعل أبهرت الإدارة والمسؤولين في القسم ببراعتها وسرعة بديهتها.

إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها وصديقتي لا تعلم أنها كانت سببا في هذا القدر اللطيف وهذا الغيث المنهمر من الخير، بمجموعة من الكلمات ألقتها على مسمعي ومنها نسجت لنا أقدارا بكينا منها فرحا، لأنه سبحانه" قدر ولطف".


هذه القصة هي فيض من غيض ونفطة في بحر الحكايات والروايات والأحداث اليومية التي نمر بها كأسباب، وتعبرنا كنتيجة لدعوانا ونوايانا ، ولكننا لم نقف لنتأمل جمالها وعظمتها وعظمة خالقها ومقدرها وميسرها، واكتفينا بالدهشة وألستنا تتسابق بقول" رب صدفة خير من ألف معياد" نتيجة لبساطتنا وقدرتنا المحدودة ، الحقيقة أنها مواعيد ثابتة محفوظة ومكنونة عنده جل في علاه عندما" قدر ولطف".



مونترو- سويسرا 30 أكتوبر 2022



 
 
 

Recent Posts

See All
تغيرت؟!

تغيرت؟! بالطبع تغيرت، ومن منا لا يتغير؟ من منا بقي كما هو من لحظة ولادته أو حتى لحظة إدراكه حتى الآن، دون أن يتغير؟!! التغيير سنة كونية...

 
 
 

2 Comments


ممتنة لك و لطيب مشاعرك وجمال كلماتك🙏✨️✨️دمتي لنا سحابة خير لا تنقطع💖

Like

Hadeel Abdullah
Hadeel Abdullah
Aug 13, 2023

الغاليه مريم 🤍 مقالة لطيفة وسرد جذاب كما عودتينا في كتاباتك 🩷 سعيدة جدا بسعادتك واتمنى لك دائم الخير والبركة في حياتك 🩷 شكرا لك

Like

للإشتراك

" كل الطرق تؤدي إلى المنصة"

- مريم القبيلي -

0559744033

  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram

©2025 by Coach maryam

bottom of page